وأنا أسهر مع عبق أنفاسك* بقلم: زياد جيوسي

وأنا أسهر مع عبق أنفاسك*  بقلم: زياد جيوسي
Header Ads

 

 

 

 

نائمة حبيبتي، ترى ما كان سرّ نومك؟ تعب النّهار أم خمر الشّفاه، أنفاسك هادئة، عيناك كعينيّ طفل نائم، شعرك منسدل كستار ليل، نهدك يطفر شامخًا من تحت غلالة، تعتليه قرنفلة نبتت على فوّهة بركان، رأسك كالعادة على ذراعي الأيسر وصدري، أخالك تستمعين لدقّات قلبي، ساقك اليمنى ممدودة، اليسرى منثنية، الغلالة منسحبة للأعلى قليلاً تكشف عن بلّور متلألئ، ما زالت بقايا القهوة على المنضدة بجوارنا، ولفافات تبغ فارقت الحياة وأخرى ما زالت تنتظر.

سأحكي الليلة قصّة أخرى: يحكى أنّ غريباً كان يعيش وحيدًا يجول البحار يبحث عن مرفأ، وصل لشواطئ كثيرة لم يجد فيها غايته، كان يجوب البراري والقفار في كلّ مرفأ يصل إليه، ذات يوم وصل إلى واحة اسمها إرادة الله، كان قد سكنها في طفولته، شعر بأنّ هذه الواحة ستجمعه بالمليكة ذات يوم، كتب لها كثيرًا ولكن أين يمكن أن يرسل رسائله، كان قد سمع همسات تقول إنّ المليكة في هذه الواحة، فتّش كثيرًا بلا جدوى.

شعر بأحاسيسه الدّاخلية بالمليكة تهمس له، تعتذر له تقول: يا أميري أعذر تأخّري، أعرف أنّك تنتظر ولكنّ الملكات يطول انتظارهن، ذات يوم سآتي إليك بأشرعة الحبّ، شعر بها طيفًا ترفع أشرعتها على زورقه، تأخذ بيده لتبحر معه من جديد، شعر بأمراء الواحة يخطّون كلماتهم على الشّراع، بقي صامتًا يرقب من بعيد، غريب هو ضيف على الواحة، عابر سبيل، فهل سيسمحون له بأن يقترب من مليكتهم.

رأى طيفها يتهادى إلى شاطئ مهجور، تنظر إلى البحر، تتعرّى وتصرخ: أين أنت أيّها الغائب في دهاليز الزّمان ولعبة القدر، ذهل.. تمزّق.. شعر أنّه أمام ملكة حقيقيّة عارية إلاّ من الإباء، بريّة متمرّدة، عصيّة على التّرويض.. غريب هو وهي ما رأته، يبحث في صمت فسيوف القبيلة مشرعة،لم يعد يستطيع السّفر فقد أسرته المدينة وحراب الجند، وتمنّى أن يلتقي المليكة ذات يوم، بقي يرقبها كلّ ليلة لعلّها تأتي إلى الشّاطئ المهجور، يخاطب البحر والقمر والنّجوم الرّبيعيّة.

ذات ليلة خرجت إليه حوريّة من البحر، قالت: أيّها الغريب اصبر وانتظر، ذات يوم ستأتي الملكة، وحين يطلّ طيفها من جديد، ستكون البشارة للقائها، لكن حين سيشرق طيفها لك أن تتوارى، احذرْ أن يراك أحد حين تتعرّى المليكة تحت ضوء القمر، تنقش كلماتها على صفحة الزّمان، فالشّاطئ حين تأتي يكون مسحورًا.

حين تلألأ القمر في منتصف الليل، خرجت الحوريّات متفقّدات الشّاطئ من عيون متسلّلة، جاءت تلك الحوريّة العجوز إلى خلف الأثلة وقالت: ستأتي المليكة الآن، فاحذر أن تراك، واحذر حتّى الهمس ومن دقّات قلبك أن تفضحك، وإلاّ أصبحت طعامًا للأسماك الليلة، وهل أطيب من وليمة على لحم حوت، استدارت وقالت: لتتفضّل المليكة لتمارس طقوس الليل والعشّاق، لتتعرّى تحت القمر، لينسج لها من ضوئه غلالة.

هلّت أنوار الملكة، نزعت أرديتها قطعة قطعة، تعرّت، واجهت الطّبيعة والبحر، قالت: سأبقى أنتظرك في وجه الزّمان، طار لبّه وجنّ جنونه، هل يقفز ويقول لها: أنا الحبّ يا مليكتي، أنا فقط من يستطيع أن يضمّك ويغدق عليك بعينيه ويعدّ معك حبّات المطر، يكون صدره لك عرشًا وكبرياء، لكنّه آثر الصّمت، كما وعد حوريّة البحر،لم يعد يخشى سيوف القبيلة المشرعة ولا أسنان الأسماك، لكنّه احترم كلمته كعاشق أمير.

عادت الملكة إلى قصرها المحاط بالياسمين والزّنابق، تركت نافذتها مفتوحة فتسلّل إليها، كتب على مرآتها: من لا يقول الحقيقة هو وحده من لم يعرف الحبّ، لم يتذوّق سموّه، فليست النّساء وحدهنّ بلا حبّ كأسمال عتيقة، لكنّ الرّجال أيضًا، الحبّ روح حياة، نبضة فرح، سوسن يمطر حياتنا ربيعًا، تشرق سماؤنا نجومًا ربيعيّة، ترمي في أفواهنا زهرات الياسمين، الحبّ أنّاتنا الخافتة، فرحنا المكتوم، الحبّ حلم جامح أبديّ الاشتياق، أمل دائم، فبغير الأمل هل هناك طعم للحياة؟

عاد للشّاطئ ينتظر، تسامر باقي الليل مع الحوريّة، قال لها: هكذا فعلت..قالت: انتظر واصبر يا بنيّ، لقد جلت هذه البحار من آلاف السّنين ورأيت آلاف العشّاق، اصبر حتّى يأتيك الجواب، أعرفها هذه الملكة جيّدًا، إن هفا قلبها ستجده هنا، أشارت إلى جذع صنوبرة، وقلبها ما زال يكنّ الحبّ منذ كان برعمًا.

في اليوم التّالي وبموعدها، وقفت الملكة على الشّاطئ، كادت أن تتعرّى لكنّها توقّفت، نظرت إلى الأثلة مع طيف ابتسامة ونقشت على جذع صنوبرة: كما أنت أنا أبحث عنك، ذات يوم سنلتقي، ستتفجّر براكيننا معًا، حكايتنا بدأت منذ زمن وفرّقنا القدر، لكنّنا سنلتقي ونعيد قصّة حبّ بلا نهاية..

ما زلت نائمة؟ وابتسامة رضا تجول شفتيك، أنفاسك تتصاعد، أيّ حلم يهدهدك؟ سأكمل لك القصّة ذات يوم، إنّها قصّة بلا نهاية وإن عرفت البداية، لكن متأكّد أنّ صباحنا سيكون أجمل، وأننّا سنحتسي قهوتنا ذات يوم، لفافة تبغنا، أنت وأنا والحبّ.

 

(رام الله 18/5/2006)

* من كتاب أطياف متمردة من منشورات دار فضاءات/ الأردن

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Header Ads